تخيّل معي شركة تدخل روبوتًا بشريّ الشكل (Humanoid) إلى ٣٠ بيتًا لم يسبق له التدرّب فيها، وتطلب منه ترتيب الغرف وطيّ المناشف وترتيب الأسرّة، مع اختلاف الأثاث والأغراض من بيت إلى آخر، فيبدأ بتنفيذ ما تعلّمه في أماكن أخرى. هذا ما أعلنت عنه شركة (Figure) في تجربة لنموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها (Helix 2.5)، ولربما أكثر ما يستحق التوقف عنده هو كيف وصل الروبوت إلى هذه القدرة، ومن الذي علّمه هذه الأعمال.
نحن عندما ندخل بيتًا جديدًا لا نحتاج إلى تعلّم استخدام الطاولة من جديد، أو إلى دورة تدريبية لكي نعرف كيف نرتّب السرير، فلدينا خبرة سابقة تساعدنا على التعامل مع اختلاف المكان والأغراض. تخيّل لو أن كل عامل استعنت به احتاج إلى تعلّم مهنته من البداية كلما انتقل إلى بيت آخر، ستكون تكلفة تعليمه ومتابعته مشكلة بحد ذاتها، وهذا يوضّح أهمية أن يستطيع الروبوت الاستفادة مما تعلّمه خارج المكان الذي يعمل فيه.
الشركة أعلنت في سبتمبر ٢٠٢٦ أن التدريب المسبق على بيانات السلوك البشري رفع نسبة إتمام المهام في اختبارها من ٩٪ إلى ٥٦٪، مع تثبيت عوامل المقارنة الأخرى. وهذا لا يعني أنه نجح في كل شيء، أو أصبح يقوم بكل أعمال البيت من تنظيف وكوي وجلي؛ فالتجربة تخص ثلاث مهام محددة، كما أن (Helix 2.5) هو النموذج الذي يوجّه الروبوت، وليس اسم جهاز أعلنت الشركة أنه متاح للشراء.
ولكن كيف تعلّم؟
شركة (Figure) بنت منصة باسم (Index)، يجمع المشاركون فيها تسجيلات لأعمال حقيقية يقومون بها في بيوتهم وأماكن عملهم، مثل الطبخ والتنظيف وطيّ الملابس وترتيب البضائع، ثم تُعالج هذه التسجيلات وتُنظّم لكي تستفيد منها الشركة في تدريب نماذجها. ولتقريب الصورة، تخيّل أنك ترتّب المطبخ بينما تصوّر كاميرا طريقة أدائك للعمل، وما تعتبره أنت عملًا روتينيًا أصبح مادة يمكن أن تساعد في تعليم آلة.
وبحسب إعلان الشركة في أغسطس ٢٠٢٦، تجاوز تطبيقها ٢٦٤ ألف تنزيل في ١٠٨ دول، مع أكثر من ٤٤ ألف مستخدم نشط أسبوعيًا يساهمون بالبيانات، وأكثر من ١٦ مليون فيديو مرفوع، كما دفعت للمساهمين ١٥ مليون دولار حتى ذلك التاريخ. هذه الأرقام تعطينا تصورًا عن حجم العمل الذي يجري خلف مقطع قصير نشاهد فيه روبوتًا يطوي منشفة.
ولربما اعتدنا أن نربط البيانات بالصور والنصوص والمعلومات الموجودة على الإنترنت، بينما هناك معرفة أخرى نمارسها بأيدينا كل يوم، ومن الصعب أن نشرحها بالكلمات وحدها. اطلب من شخص أن يشرح لك كيف يطوي قميصًا بالتفصيل من دون أن يريك الحركة، ثم قارنه بشخص يقف أمامك ويقوم بالعمل، ستفهم لماذا يمكن أن تكون مشاهدة أداء المهمة جزءًا مهمًا من تعلّمها.
وهناك في الهند من يعمل على جمع هذا النوع من البيانات، حيث يرتدي عمّال كاميرات أثناء تنفيذ مهام مثل طيّ الملابس وتغليف الأغراض. أضع لكم في نهاية التدوينة مقاطع توضّح جانبًا من هذه الصناعة، مع التنبيه إلى أن ظهور هذه المشاريع لا يعني أنها جميعًا تعمل لصالح شركة (Figure).
أكثر ما لفتني في الموضوع هو قيمة الخبرة التي نملكها ولا نعطيها اهتمامًا كبيرًا، فالعامل الذي يرتّب البضائع لديه طريقة في الإمساك بها ونقلها ووضعها، والشخص الذي يطوي الملابس يعرف كيف يتعامل مع اختلاف حجمها وقماشها، وهذه تفاصيل اكتسبها مع الممارسة حتى أصبح يقوم بها من دون تفكير. الآن يمكن أن تصبح بعض هذه التفاصيل جزءًا من بيانات تبني عليها شركة منتجًا جديدًا.
ومن ناحية ريادة الأعمال، أرى أن هذا يفتح مجالًا للتفكير في فرص حول جمع البيانات المتخصصة وتحسين جودتها وتنظيمها، فبناء الروبوت نفسه يحتاج إلى إمكانيات كبيرة، بينما قد توجد أعمال مساندة يمكن التخصص فيها. وجود كاميرا وحده بالطبع لا يكفي، فالقيمة ستكون في تقديم بيانات يحتاجها المطوّر فعلًا، وبجودة تسمح له بالاستفادة منها، مع وضوح موافقة أصحابها على تسجيلها واستخدامها.
وفي سوقنا العربي يمكن أن نبدأ من فهم التفاصيل الموجودة حولنا، من طريقة تجهيز البيت إلى أعمال المتاجر والمطاعم وأساليب تقديم الضيافة. هذه أفكار تستحق الدراسة، خصوصًا إذا استطعنا تحديد ما يحتاجه المطوّرون بدلًا من جمع تسجيلات كثيرة ثم البحث عمّن يشتريها.
ومع كل هذا الحماس، يبقى بالنسبة لي اختبار بسيط لأي روبوت منزلي: هل سيوفّر عليّ الوقت أم سيجعلني أترك عملي لكي أتابعه وأصحّح أخطاءه؟ المستخدم سيهتم بإنجاز العمل، وتكلفة الجهاز وصيانته، وقدرته على الاعتماد عليه كل يوم. الوصول إلى هذه المرحلة هو ما سيحوّل التجارب التي نشاهدها إلى منتجات نرغب فعلًا في وجودها داخل بيوتنا.
لربما يأتي يوم نطلب فيه من الروبوت ترتيب البيت كما نطلب اليوم من تطبيق أن يوصل لنا وجبة، لكن ما يحدث الآن يجعلني أعيد النظر في أشياء اعتدنا اعتبارها بسيطة، فالخبرة التي تساعدك على أداء عملك اليوم قد تساعد أيضًا في تعليم الآلة التي ستؤدي جزءًا منه غدًا.
وأنصحكم بمشاهدة هذه المقاطع لفهم الفكرة بشكل أوضح:
فيديو شركة (Figure) عن تجربة الروبوت في المنازل:
https://x.com/figure_robot/status/2100657350952779925/video/1
فيديو عن جمع بيانات تدريب الروبوتات في الهند:
https://www.youtube.com/watch?v=kQpFvegB0_c
فيلم (Financial Times) عن تحوّلات صناعة التقنية والذكاء الاصطناعي في الهند:
https://www.youtube.com/watch?v=UfyxN46tCz8
ولمن يحب الاطلاع على تفاصيل التجربة والأرقام من مصدرها، هذه إعلانات الشركة:
تجربة (Helix 2.5) في ٣٠ منزلًا:
https://www.figure.ai/news/helix-2-5-zero-shot-30-home-generalization
منصة (Index) لجمع بيانات التدريب:
https://www.figure.ai/news/introducing-index
التعليقات (0)
أضف تعليقك ↓لا توجد تعليقات بعد. كُن أول من يعلّق.