تخطَّ إلى المحتوى
توقَّع الفشل لكي تنجح

فلسفات مبرمج

توقَّع الفشل لكي تنجح

نُشر
الكلمات
705
وقت القراءة
4 د
المشاهدات
3,289

منذ فترة طويلة كنت في زيارة لأحد الزبائن بناءً على رغبته لعرض منتج أقوم بتسويقه مع أنّي حاولت قدر الإمكان أن أتملّص من هذه الزيارة، لأنّي ومن خلال الحديث معه عبر الهاتف ومراسلاتي عبر البريد كانت هناك مؤشرات تدلّ على عدم جديّة هذا العميل، وكذلك قلّة فرص إمكانيّة إتمام الصفقة وبالتالي فإنّ زيارته تعدّ ضياع وقت ليس إلاّ، كما أنّ إحساسي الداخلي كان يخبرني بأنّ هذا العميل يودّ أن يتخلّص من الاتفاق الذي بيننا كما هو الحال معي ولكنّه لم يجد الطريقة المناسبة إلّا عبر الاجتماع وجهًا لوجه؛ لهذا أردت أن أريحه من هذا العناء من قِبَلي وأخبره بأنّني قد فهمت النتيجة ولا حاجة لإضاعة المزيد من الوقت ولكن بدوري لم أستطع أن أشرح له ذلك عبر الهاتف فقمت بزيارته مجاملة ولكي أترك له مجالا لحفظ ماء وجهه.

أثناء الدقائق الأولى من الاجتماع تأكّدتْ لي كلّ أفكاري وبأنّ العميل يودّ التملّص فعلا، بل وقد ارتفعت نسبة عدم إتمام المشروع إلى 95%، ولكن عبر حديثي معه وبشكل عجيب لم تمرّ دقائق حتّى تمّت الصفقة وانتهت على أكمل وجه، وخرجت من ذلك الاجتماع وأنا متفاجئ من هذه النهاية السعيدة غير المتوقعة.

بعد تلك القصّة تكرّر الأمر معي بضع مرات، وفي كلّ مرّة تزيد فيها نسبة فشل الصفقة 80% بحسب تقديري كلّما نجحت الصفقة أكثر، بل كانت أفضل ممّا لو توقّعت في أفضل حالاتي، حتّى إنّ هذه القصّة تكرّرت معي مؤخرا ولكنّي هذه المرّة لم أجعل الأمر يمرّ مرور الكرام وجلست أفكّر مع نفسي ما هو السبب الذي جعلني أحكم على الصفقة بالفشل؟

خلال تفكيري كنت أودّ أن أصل إلى نتيجة مفادها بأنّي لا أستطيع الحكم الصحيح ولكنّي قمت بعمل تجربة منذ أيام، وقمت بزيارة مساعدة مع أحد الأصدقاء لأحد عملائه والذي تأكّد لي وله بأنّ الصفقة لن تتمّ؛ بل إنّه عند بداية الاجتماع زادت التوقّعات وعندها تذكّرت بأن أقوم بتجربة سريعة لأتأكد من سبب الحكم وكيف ستتحول الصفقة إلى نجاح والذي تمّ بالفعل!

قد تستغربون من النتيجة التي توصّلت إليها ولكنّي بدأت أقتنع بها فعلا، وهذه النتيجة تقول (كلّما زادت نسبة الفشل كلّما زادت نسبة النجاح)!

غريبة! حيث إنّه من المفروض أن تكون العلاقة تضادّاً؛ فزيادة نسبة الفشل تعني بالتأكيد قلّة في نسبة النجاح ولكن ما السرّ في استنتاجي؟

يعود السبب بعد التحليل إلى نقطتين أساسيتين؛ قد تطغى إحداهما عن الأخرى بحسب الموقف لكن لن تخرج عنها.

النقطة الأولى: التحرّر من الضغط

بما أنّي أعلم أنّ مآل هذه الصفقة هو الفشل فلم أعد قلقا من نجاحها، ولم أعد قلقا من عدم إتمامها بل على العكس قد أُسهِمُ في إخفاقها ولكنّي أفضّل دائما أن لا أكون خاسرا، لهذا قد تجدني أركّز على أمور أخرى مثل ترك انطباع جيّد لدى العميل كي تكون العلاقة التي مرّت بيننا ربّما قد تُسهِم في المستقبل بمشروع آخر، وربّما أيضا أحاول أن أشجّعه على خياره في حال كان فعلا خيارا حكيما، فمثلا قد لا يحتاج فعلا لما أقدّمه وبهذا أكون بدور الناصح وليس بدور البائع الذي يودّ البيع مهما كلّف الثمن. وفي النهاية قد أدلّه على منتج آخر أو طريقة أخرى لحلّ مشكلته دون أيّ مقابل وذلك من باب (إن أكرمت الكريم ملكته)، وفي كثير من الأحيان فعلا يعاود ذلك العميل الاتصال بي لاحقا بخصوص أمور أخرى وذلك ليردّ إليَّ الجميل الذي فعلته له أو من باب أنّه أصبح واثقا بأنّني لن أغشّه وبأنّني أبحث عن مصلحته أوّلا.

النقطة الثانية: أبذل جهدا أكبر

بما أنّني تحرّرت من الضغط فإنّي سأبذل جهدا أكبر في محاولة شرح منتجي أو خدمتي بشكل أفضل، وذلك لكي يعرف العميل بأنّه يقارن بشكل صحيح وعلى دراية كاملة أو على الأقل لكي أترك لدى العميل انطباعا إيجابيا عمّا أقدّمه لكي لا يذمّه في حال لم يقم بالحصول عليه من طرفي. مثلا أقول له: "أعلم بأنّ عامل السعر مهمّ لديك وربّما تتخذ قرارتك بناءً عليه، ولكن بالنسبة لما أقدّمه فلا أستطيع أن أقدّم سعرا أقل لأنّ ميزات المنتج أو ما أقدّمه من خدمة ذات قيمة أكبر وأبدأ في تفصيل الفوائد".

وبهذا فإنّي سأترك لدى العميل انطباعا جيّدا على الأقل؛ حتّى في حال عُقِدَت مقارنات منافِسة مع ما أقدّم مِن منتج أو خدمة أخرى في المستقبل فإنّه لن يذمّ  منتجي بل قد يشكّك في حكمه واختياره  : )

الغريب أنّه فعلا عندما أقوم بذلك أرى بأنّ الصفقة قد تحوّلت إلى صالحي، وعليه فالسؤال الآن هل يجب أن أعامِل كلّ الصفقات بأنّها صفقات فاشلة حتّى أبذل جهدا أكبر أم أتوقّع النجاح ولا أترك مجالا للفشل وذلك باتخاذ كل الإجراءات اللازمة لإنجاح هذه الصفقة!

بالتأكيد سأحاول دائما أن أتذكّر القيام بذلك، وأتمنّى أن أسمع آراءكم وحكمكم على استنتاجاتي.


هذه المقالة متوفّرة صوتيا إن أردت الاستماع إليها:

التعليقات (8)

أضف تعليقك ↓
  1. كميت فوزي

    هذه هي الزيارة الأولى لي إلى المدونة <br>يبدو أن مؤسسها عالم كبير <br>بالتوفيق <br>سأزورها دوما"

  2. محمد الزامل

    شكرا لك عزيزي <br> <br>على هذه المعلومات

  3. أحمد الأباصيري

    عزيزي الكاتب المحترم، <br> <br>بداية تقبل تحياتي لفكرك و فلسفتك المفيدة للكثيرين و أنا منهم، <br> <br>أنت بنيت التحليل علي فرضية أن الصفقة خاسرة و إعتبرتها نتيجة قبل التجربة و لست أدري السبب، أنت لم تخرج من موقعك و تتوقع سلوك الطرف الأخر...و كثيرا يحاول المشتري لا شعوريا إيصال ذلك المفهوم للبائع بغرض الوصول لعرض جيد..بل دعني أقول لك أن العملاء الغير متمرسين علي التفاوض و إتمام الصفقات يكون إرسالهم لذلك الشعور قوي و واضح..علي عكس المتمرس لا يظهر مؤشرات تفائل أو تشائم بالمرة. <br> <br>و بناء علي إستجابتك الطبيعية تصرفت بمهنية بيع عالية كما قلت "جدني أركز على أمور أخرى" و بذلك نجحت الصفقة عندما نجحت في كسب حب و إحترام العميل <br> <br>وكذلك عندما قلت "لكي يعرف العميل بأنه يقارن بشكل صحيح و على دراية كاملة" و "أعلم بأن عامل السعر مهم لديك و لربما تتخذ قراراك بناء عليه "..أنت بدون قصد أصبت أهم نماذج رجل البع المعاصر بأن تحولت لدور الشريك في إتخاذ القرار و لست البائع تحولت لمستشار و ليس مجرد بائع و هو الشكل المقبول حاليا لرجل البيع و إحدي طرق البيع الفعالة.... <br> <br>و في الختام تقبل تقديري لفكرك و خبرتك <br> <br>و السلام عليكم

  4. mahmoud

    استاذى العزيز <br> <br>اولا السلام عليكم <br> <br>ثانيا شكرا جزيلا على المعلومات الرائعة جزاك الله خيرا <br> <br>اما عن هذه الحالة فهى تتكرر معى شخصيا وفى مواقف كثيرة <br> <br>ولكن الغريب ان العلم يقول عكس هذا الكلام <br> <br>درست فى علوم التنمية البشرية والبرمجة العصبية ان هناك قانون التوقع <br>ويوضح هذا القانون ان اى شىء نتوقعه بكامل احاسيسنا لابد ان يحدث <br> <br>هل ترى ان هذا القانون غير صحيح ام اننا نحن خارقين للطبيعة او للعلم؟؟؟ <br> <br>شكرا واسف على الاطالة

  5. سامي

    أعتقد أن الفكرة تكمن في أن الطرف الآخر لم يعد يشعر بتصنع أو محاولة حث و دفع له نحو منتجك من قبل صاحب المنتج ، مما يؤدي به إلى التفكير في محاولة كسب منتجك قبل أن تفوته الفرصة! ربما !

  6. حكيمة

    مرحبا <br>أذا كان تحليلي دقيقا فهذا الأسلوب في التفكير يمكن ان يسمى تجنب الفشل وليس توقع الفشل ! <br>إذ إن من يتوقع مسببات الفشل ثم يتصرف كما تصرفت فمثله مثل من يبني بناء ولكونه يضع احتمالا لحدوث زلازل فإنه يعتني بمتانة الأساس وبذا يكون البناء متينا مقاوما للزلازل فعلا ..! <br>مع جزيل الثناء للأخ محمد على مشاطرتنا خبراته ، جعله الله مباركا وزاده علما وآتاه الحكمة .

  7. عبدالله سعود

    تدوينة ممتعة <br>و فائدة جميلة <br>و مدون رائع <br>جزيت خيراً <br>:)

  8. عبدالعزيز

    ياخي ربك اختصرها لك ... ليه نكبر السالفه <br> <br>قال تعالى " وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم " <br> <br>وفيه شي اسمه القدر .. مكتوب فيه اللي يصير <br> <br>بكذا انا شرحت اللي مريت فيه انت كاملا <br> <br>فمان الكريم

أضف تعليقك

بريدك الإلكتروني لن يُنشر. الحقول الإلزامية مُعلَّمة.