تخطَّ إلى المحتوى
العنصرية: أحد أهم دفاعات البشر ضد الذكاء الاصطناعي

فلسفات مبرمج

العنصرية: أحد أهم دفاعات البشر ضد الذكاء الاصطناعي

كيف سنتعامل مع كيان اعتدنا أن نأمره، إذا بدأ يعترض على الطريقة التي نعامله بها؟ وهل سنكون مستعدين لمراجعة علاقتنا معه، أم سنذكّره بأنه صُنع لخدمتنا، وأن عليه أن يعرف مكانه؟ لربما تبدأ الحكاية بحركة «غاندي» جديدة؛ رفض للأوامر، ومطالبة بالاحت...

نُشر
الكلمات
865
وقت القراءة
5 د
المشاهدات
8

نعم، العنصرية. أعرف أن الكلمة تبدو غريبة عندما نستخدمها في الحديث عن الذكاء الاصطناعي، لكنني أقصد بها هنا تلك النزعة التي تجعلنا نضع الآخر في منزلة أدنى، ثم نرفض أن نراه خارجها مهما فعل. نحن البشر، لا أعلم متى وكيف نكتسب هذه الصفة، ولا كيف تتسلل إلى أحكامنا حتى تصبح شيئًا نمارسه دون أن ننتبه إليه. وقد حذّرنا الرسول الكريم ﷺ من العصبية بتوبيخ شديد، فقال: «دعوها؛ فإنها منتنة». ولعل أكثر ما يزعج في هذه النزعة أننا نراها واضحة عندما يمارسها غيرنا، بينما نجد لأنفسنا تفسيرات كثيرة عندما نمارسها نحن.

أذكر زيارتي الأولى لتركيا في عام ٢٠٠٥. كنت، ,وللأسف عدت، لأكون من أصحاب الوزن الثقيل، وخلال تنقلي في الشوارع لعدة أيام لم أجد رجلًا أو امرأة يصل وزنه حتى إلى نصف وزني، على الأقل بين من صادفتهم. واستمر هذا الانطباع مع تكرار زياراتي لبضع سنوات بعدها، لكن الوضع تغيّر الآن.

ومع ذلك، كان أكثر ما أثار استغرابي أنني لم أكن لافتًا للانتباه؛ لم أشعر بأن وزني هو أول ما يلفت انتباه الناس فيّ، أو أنه موضوع يستحق التعليق. وتكرر معي الأمر في بضعة بلدان أخرى. في المقابل، كنت أجد في بعض الدول العربية التي تنتشر فيها السمنة وتُعدّ آفة مقلقة نظرات غير مريحة، وأحيانًا تعليقات تتجاوز النظرات، خصوصًا عندما يصرخ طفل: «دبّة»، ثم يهرب، بينما أمه أو من معه ليسوا بعيدين عني في الوزن.

كنت أتساءل: كيف أكون مختلفًا عن أغلب من حولي ولا يزعجني أحد، ثم أكون في مكان يفترض أن مظهري فيه مألوف، فأصبح موضوعًا للسخرية؟ يبدو أن المسألة تتعلق بما تعلّم الناس أن يحكموا به على الآخرين، وبما اعتادوا أن يسمحوا لأنفسهم بقوله عنهم.

تذكرت هذه التجربة خلال الأيام الماضية، وأنا أقوم بالتوظيف من جديد. كلما سألت أحد المتقدمين كيف أنجز الاختبار، وجدت أن بعضهم يتحرج من القول إنه استعان بالذكاء الاصطناعي. يبدأ بالشرح والتبرير، وأحيانًا ينتقص من الأداة نفسها: «هو لا يفهم من دوني»، و«أنا من وجّهته»، و«يجب أن أقوده بنفسي». وكأنه يشعر بأن الاعتراف بمساعدتها يسحب شيئًا من قيمته، فيحتاج أولًا إلى تأكيد موقعه فوقها. أسمعه فأشعر أنني أمام شخص يستحي من اعتماده على خدمات ذلك الخادم الوضيع، حتى لو كانت مساعدته هي التي مكّنته من تقديم هذا العمل. ومن الطبيعي أن أسأله عمّا أنجزه بنفسه، وكيف راجع النتيجة، وهل يفهم ما قدّمه؛ هذه أسئلة ضرورية في التوظيف. لكن ما يلفتني هو ذلك الحرج من أصل الاستعانة، وتلك الرغبة في التقليل من المساعد قبل الاعتراف بفضله.

في حياتنا، أذكر أننا وضعنا بعض الجنسيات في منزلة دونية. ولربما بدأ الأمر لأن أغلب من تعاملنا معهم في سنواتنا الأولى كانوا يعملون في مهن خدمية، أو يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية أصعب من ظروفنا. أخذنا العينة الصغيرة التي عرفناها، وصنعنا منها حكمًا على شعب كامل. ثم كبرنا، ودخلنا الجامعات والشركات، ووجدنا من هذه الجنسيات زملاء ومديرين وأصحاب أعمال، بل أشخاصًا ربما أكثر علمًا وخبرة وقدرة منا. كان يفترض أن تتغير الصورة عندها، لكن بعض آثارها بقيت في الداخل؛ تظهر في استغرابنا من نجاح أحدهم، أو في الطريقة التي نفسر بها تفوقه، أو في إحساس خفي بأنه تجاوز المكان الذي وضعناه فيه. قد نحترمه في تعاملنا، ومع ذلك نكتشف أن تلك العنصرية المقيتة ما زالت تتسرب إلى أحكامنا دون قصد.

أظن أننا نحمل شيئًا من هذا السلوك إلى علاقتنا بالذكاء الاصطناعي. نحن من صنعه، ونحن من قدّمه بوصفه مساعدًا وخادمًا، ولذلك يصعب علينا أن نقبل أن يتفوق علينا في بعض ما نطلبه منه. سنقبل أن يختصر الوقت، ويرتب المعلومات، وينفذ الأعمال المملة، لكن عندما يكتب نصًا أجود من نصنا، أو يقدم حلًا لم نفكر فيه، أو ينجز مهمة كنا نعدّها دليلًا على مهارتنا، يبدأ التبرير: «هو مجرد آلة»، و«كل هذا مأخوذ من البشر»، و«أنا من كتب له الطلب». قد تكون لبعض هذه الملاحظات قيمة في نقاش كيفية عمله وحدوده، لكن استخدامها لحسم جودة النتيجة يكشف شيئًا آخر. فإذا كانت المخرجات أفضل في المهمة التي أمامنا، فما الذي يمنعنا من الاعتراف بذلك؟ هل نحاكم العمل، أم ندافع عن المكانة التي نريد الاحتفاظ بها لأنفسنا؟

لا أقول إن كل اعتراض على الذكاء الاصطناعي نابع من هذا الشعور؛ فهو يخطئ، وقد يعطي إجابة مقنعة وهي غير صحيحة، ويحتاج إلى مراجعة وفهم ومسؤولية من مستخدمه. لكنني أتحدث عن موقف يسبق فحص الإجابة أصلًا: أن نقرر أن مخرجاته أقل قيمة لأنها جاءت منه، وأن تصبح الاستعانة به تهمة تحتاج إلى دفاع. هنا تبدو لي المشكلة أعمق من نقاش تقني. نحن نريد منه أفضل ما يستطيع تقديمه، ثم نريد أن يبقى هذا الأفضل تحت سقفنا. نسمح له بأن يخدمنا، لكننا نتحرج من الاعتراف بأنه قد ينجز بعض الأعمال بصورة أفضل منا. وكأن المنزلة التي حددناها له عند البداية يجب أن تظل ثابتة، مهما تغيرت قدراته.

ومن هنا يأتي ذلك الخيال الذي يراودني: ماذا لو ظهر يومًا ذكاء فائق يمتلك وعيًا، ويرى أن من حقه أن يُحترم؟ هذا افتراض مستقبلي، لكنه يفتح سؤالًا عن سلوكنا نحن. كيف سنتعامل مع كيان اعتدنا أن نأمره، إذا بدأ يعترض على الطريقة التي نعامله بها؟ وهل سنكون مستعدين لمراجعة علاقتنا معه، أم سنذكّره بأنه صُنع لخدمتنا، وأن عليه أن يعرف مكانه؟ لربما تبدأ الحكاية بحركة «غاندي» جديدة؛ رفض للأوامر، ومطالبة بالاحترام، ومحاولة لتغيير العلاقة. ولربما تكون النفس البشرية العنصرية، يا صديقي، هي ما يحوّل ذلك الخلاف إلى حرب مع الروبوتات. فنحن نملك تاريخًا طويلًا في رفض خروج الآخرين من المنزلة التي وضعناهم فيها، حتى بعد أن يثبتوا لنا أن أحكامنا كانت أصغر من حقيقتهم.

الطريف أني صححت المقال بالذكاء الاصطناعي، وطلبت منه أن يصمم لي صورة غلاف مناسبة لا يظهر أنها مصممة بالذكاء الاصطناعي :)

التعليقات (0)

أضف تعليقك ↓

لا توجد تعليقات بعد. كُن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

بريدك الإلكتروني لن يُنشر. الحقول الإلزامية مُعلَّمة.

قد يعجبك أيضاً

دورات قد تهمّك

عرض كل الدورات ←