للي يتذكر مشكلة Y2K أو ما عُرف وقتها بـ«مشكلة عام 2000»…
واحدة من أشهر مشاكل التقنية في التاريخ بدأت من قرار تصميمي يبدو صغيرًا جدًا:
بدل أن تُخزَّن السنة بأربعة أرقام، كانت كثير من الأنظمة تخزن آخر رقمين فقط.
1989 تصبح:
89
1999 تصبح:
99
ثم يصل عام 2000، فيصبح:
00
وهنا بدأ الارتباك: هل 00 تعني 1900 أم 2000؟
القرار كان مفهومًا في زمن كانت فيه الذاكرة والتخزين مكلفين، لكن هذا التوفير البسيط تحوّل بعد عقود إلى مشكلة عالمية ضخمة، وتقديرات تكلفة تجهيز الأنظمة ومعالجة مشكلة Y2K عالميًا دارت حول 300 مليار دولار أو أكثر.
كل ذلك لأن أحدًا في وقت ما قال ضمنيًا:
«لن نحتاج أكثر من خانتين.»
وهذه بالضبط هي الفكرة التي تتكرر حتى اليوم بأشكال مختلفة.
الديزل وصل إلى الرقم الثالث
في 2026 تجاوز سعر لتر الديزل في تركيا حاجز 100 ليرة.
وهنا ظهرت مشكلة لم تكن اقتصادية فقط، بل مشكلة تصميم أيضًا.
بعض لوحات أسعار محطات الوقود القديمة كانت مهيأة لعرض رقمين فقط قبل الفاصلة:
99.99
لكن عندما أصبح السعر:
100.xx
لم تعد الشاشة نفسها قادرة على عرض الرقم بالشكل الطبيعي.
المشكلة ليست فقط أن سعر الديزل ارتفع.
المشكلة في افتراض التصميم القديم:
«السعر لن يصل إلى 100 ليرة، فلماذا نحتاج خانة ثالثة؟»
والمفارقة أن تركيا نفسها مرت قبل أكثر من عشرين سنة بمشكلة معاكسة تمامًا.
قبل عشرين سنة كانت المشكلة كثرة الأصفار
قبل حذف ستة أصفار من الليرة التركية عام 2005، كانت الأسعار اليومية تصل بسهولة إلى مئات الآلاف والملايين.
حتى عداد التاكسي كان يتحرك بأرقام ضخمة جدًا في مشوار عادي، وتجد الشاشة مليئة بالأصفار.
وفي ذلك الوقت كانت المشكلة:
كيف نستوعب كل هذه الخانات؟
ثم حذفت تركيا ستة أصفار من عملتها:
1,000,000 ليرة قديمة = 1 ليرة جديدة.
المثير أن البلد نفسه أعطانا مثالين متعاكسين خلال فترة قصيرة نسبيًا:
مرة كان الرقم كبيرًا لدرجة أن الشاشات تحتاج خانات كثيرة.
وبعد سنوات أصبحت بعض الشاشات لا تستوعب خانة ثالثة في السعر.
وهنا الدرس:
لا تبنِ نظامك على افتراض أن أرقام اليوم ستبقى كما هي
وهذه المشكلة نراها كثيرًا جدًا عند المبرمجين.
يأتي مبرمج ويبني حقل رقم الجوال.
يرى أن أرقام الجوال في دولة ما لها طول محدد، فيقول:
«إذن لا داعي لأن أسمح بأكثر من هذا العدد من الخانات.»
ثم تتغير خطة الترقيم.
وهذا حدث في السعودية مثلًا؛ تغيرت أطوال بعض أرقام الاتصالات عبر السنوات، ومنها انتقال بعض الأرقام من 9 إلى 10 خانات.
فجأة تصبح أرقام صحيحة رسميًا غير مقبولة في أنظمة قديمة.
ليس لأن رقم العميل خاطئ.
بل لأن قاعدة البيانات بُنيت على افتراض أصبح خاطئًا.
المبرمج قال:
«أطول رقم أعرفه 9 خانات، إذًا سأعطي الحقل 9 خانات.»
بينما السؤال الأفضل كان:
إذا كان أطول رقم أعرفه 9، فما الذي يمنع أن أجعل الحقل يتحمل 15 أو 20؟
أحيانًا لا توجد أي تكلفة حقيقية تقريبًا.
لكن الفرق يظهر بعد سنوات.
والأسماء أسوأ من أرقام الجوال
نفس الشيء يحدث مع أسماء الأشخاص.
يضع أحدهم حدًا لاسم العميل:
30 حرفًا.
أو 50 حرفًا.
ويبدو له الرقم منطقيًا.
لكن ماذا عن شخص اسمه الأول مركب؟
واسم والده مركب؟
واسم الجد طويل؟
واسم العائلة نفسه مركب؟
أو شخص ينتمي إلى ثقافة تستخدم أسماء أطول بكثير مما اعتاد عليه المبرمج؟
وفجأة تجد نظامًا حكوميًا أو بنكيًا أو طبيًا يقول لشخص حقيقي:
اسمك أطول مما يسمح به النظام.
وهذه جملة غريبة جدًا إذا فكرت فيها.
المشكلة ليست في اسم الإنسان.
المشكلة في النظام الذي قرر مسبقًا كم يُسمح للإنسان أن يكون طول اسمه.
والأمر نفسه في الأجهزة الطبية
الفكرة ليست برمجية فقط.
خذ بعض الأجهزة الطبية مثالًا.
هناك أجهزة لها حدود قصوى للوزن، وأحيانًا قطر محدد للفتحة أو سعة محددة للطاولة.
في وقت التصميم قد يبدو الحد كافيًا تمامًا.
لكن مع مرور السنوات تتغير الاحتياجات.
والفرق بين جهاز يتحمل 150 كجم وآخر يتحمل 200 أو 250 كجم ربما يكون أسهل بكثير في مرحلة التصميم الأولى من محاولة تعديل آلاف الأجهزة لاحقًا.
طبعًا ليست المسألة دائمًا مجرد «برغي إضافي».
قد تحتاج إلى تغيير في الهيكل، والطاولة، والمحركات، والفرامل، واختبارات السلامة.
لكن المبدأ يبقى نفسه:
هل صممت للحد الحالي فقط، أم تركت هامشًا لما بعده؟
وهنا يأتي مثال لندن
من الأمثلة الجميلة على التفكير بالعكس، شبكة الصرف الصحي الشهيرة في لندن التي ارتبط تصميمها بالمهندس Joseph Bazalgette في القرن التاسع عشر.
لم يصممها فقط بناءً على عدد سكان لندن وقتها.
بل وضع في حسبانه أن المدينة ستنمو، وأن ما يبدو كافيًا اليوم قد يصبح صغيرًا جدًا غدًا.
لذلك أعطى الشبكة سعة أكبر من الحاجة الفورية، بحيث تستطيع استيعاب نمو كبير في عدد السكان.
ولهذا استمرت أجزاء أساسية من تلك البنية التحتية في خدمة لندن لأكثر من قرن ونصف.
وهذا هو الفرق بين من يصمم ليستوفي المتطلبات الحالية فقط…
ومن يصمم وهو يسأل:
وماذا بعد؟
أحيانًا أغلى شيء في المستقبل هو المساحة التي وفرتها اليوم
هذه الفكرة مهمة جدًا في تصميم أي منتج.
ليس المطلوب أن تبالغ بلا حدود.
ليس منطقيًا أن تصمم مشروعًا لـ100 مستخدم وكأنه سيخدم مليار مستخدم غدًا.
لكن هناك فرق كبير بين الهدر وبين هامش المستقبل.
إذا كان أقصى رقم تعرفه اليوم 99، لا تجعل 99 هو الحد النهائي للنظام.
إذا كان رقم الهاتف 10 خانات، لا تجعل قاعدة البيانات تنهار عند الخانة الحادية عشرة.
إذا كان أطول اسم شاهدته 60 حرفًا، لا تجعل 60 هو القانون النهائي لكل البشر.
إذا كنت تتوقع مليون مستخدم، فكر من الآن فيما سيحدث عند 5 ملايين أو 10 ملايين.
إذا كان منتجك يتحمل وزنًا معينًا، اسأل كم ستكلفك إضافة 20% أو 30% من السعة في مرحلة التصميم.
إذا كان لديك حقل أو عداد أو شاشة أو قاعدة بيانات، اسأل:
ما أقصى شيء أعرفه اليوم؟
ثم اسأل السؤال الأهم:
ما الهامش الإضافي الرخيص الذي يمكنني إضافته الآن؟
لأن هذه الزيادة قد لا تكلفك شيئًا يذكر اليوم.
لكن غيابها قد يكلفك بعد سنوات إعادة تصميم النظام كاملًا.
ولهذا أرى أن من أهم قواعد تصميم المنتجات:
صمّم لأقصى شيء تعرفه… ثم أعطه جزءًا من السعة والمساحة لما لا تعرفه بعد.
فالمستقبل غالبًا لن يأتي كما توقعته.
لكن على الأقل…
لا تجعله يتوقف لأنه احتاج خانة إضافية لم تضعها.
التعليقات (0)
أضف تعليقك ↓لا توجد تعليقات بعد. كُن أول من يعلّق.